الشيخ محمد هادي معرفة

345

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بعضها البعض ، فكان بين المصاحف المرسلة إلى الآفاق اختلاف . الأمر الذي يؤخذ على أعضاء اللجنة ، ولاسيّما عثمان نفسه ، الذي عثر على تلك الأخطاء وأهملها تساهلا بالأمر ! يحدّثنا ابن أبي داود عن بعض أهل الشام ، كان يقول : مصحفنا ومصحف أهل البصرة أحفظ من مصحف أهل الكوفة . لأنّ عثمان لمّا كتب المصاحف بلغه قراءة أهل الكوفة على حرف عبداللّه . فبعث إليهم بالمصحف قبل أن يعرض - أي قبل مقابلته على سائر النسخ - وعرض مصحفنا ومصحف أهل البصرة قبل أن يبعث بهما . « 1 » وهو تسريع في إرسال المصحف إلى قطر كبير قبل مقابلته بدقة . كما وأنّ وجود اختلاف بين مصاحف الأمصار - على ما يحدّثنا ابن أبي داود أيضا - « 2 » لدليل على مدى الإهمال الذي سمحوا به في ناحية المقابلة والإتقان من صحّة النسخ . وجانب أفضح من هذا التساهل الغريب : ما روى ابن أبي داود - أيضا - : أنّهم عندما فرغوا من نسخ المصاحف أتوا به‌عثمان ، فنظر فيه فقال : قد أحسنتم وأجملتم . أرى فيه شيئا من لحن ! - لكن - ستقيمه العرب بألسنتها ؟ ثمّ قال : لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم‌يوجد فيه هذا ! « 3 » قلت : ما هذا الإيتكال الغريب ، والفرصة في قدرته ؟ ! ألم يكن كتاب اللّه العزيز الحميد جديرا بالاهتمام به ليكون خلوا من كلّ خطأ أو لحن ؟ ! ثمّ ما هذا التمنّي الكاذب ، وفي استطاعته بدء الأمر أن يختار ممليا من هذيل وكتبة من ثقيف ، وهو يعلم أنّ فيهم الجدارة والكفاءة ، الأمر الذي كان يعوزه من انتدبهم من بطانته حينذاك ! !

--> ( 1 ) - المصاحف ، ص 35 . ( 2 ) - المصدر ، ص 39 - 49 . وسندكره في فصل قادم . ( 3 ) - المصدر ، ص 32 - 33 .